سيد محمد طنطاوي

322

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال القرطبي : ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدى بن بداء ، روى البخاري والدّارقطنيّ وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدى بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بنى سهم فتوفى بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب - أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - فاستحلفهما رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « ما كتمتما ولا اطلعتما » ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدى وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن الجام للسهمى ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ، قال : فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات « 1 » . هذا ، والمعنى الإجمالي لهذه الآيات : أن اللَّه - تعالى - شرع لكم - أيها المؤمنون - الوصية في السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو في السفر أن يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا ، والاثنان أحوط ، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت . وارتاب الورثة في أمانة هذين الرجلين ، فعليهم في هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم ، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين باللَّه بعد الصلاة بأنهما ما كتما شيئا من وصية وما خانا . فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين في أداء ما كلفهما الميت بأدائه ، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت ، ليحلفا باللَّه أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين ، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها . ثم بين - سبحانه - في الآية الثالثة أن ما شرعه اللَّه لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكي يكونوا من المؤمنين الصادقين : هذا هو المعنى الإجمالي للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل القول في تفسيرها حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح . قال الآلوسي : وقوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * . . إلخ استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم ، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى . وللشهادة معان منها ، الإحضار والقضاء ، والحكم ، والحلف ، والعلم والإيصاء ، والمراد بها هنا الأخير ، كما نص عليه جماعة من المفسرين » « 2 » . وقوله : * ( شَهادَةُ ) * يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله : * ( اثْنانِ ) * على حذف مضاف . أي : شهادة اثنين .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 346 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 46